ندخل العام الجديد بحلم أن يصبح العالم أكثر ألقاً وجمالاً، وأن يكون للشعر حضورُه العالي في سياقات وقوانين وممارسات حياتنا اليومية. وما يحتاج إليه العالم حقاً هو رؤية شعرية جديدة، واهتمام أكبر بفكرة وفلسفة الجمال، وكيف نجعل من هذا الجمال غايةً لوجودنا، الذي دخلت عليه قيم الهشاشة والفراغ واللاجدوى، وأصبح يئن تحت وطأة التعب النفسي والضجيج الخالي من أي معنى.
نريد في العام الجديد أن يكون الشعر طريقةً في النظر إلى الأشياء والناس، وأسلوباً في فن العيش بفرحٍ غامر وإحساس عالٍ بروعة وجودنا. لأننا نرى أن غياب البُعد الشعري في يومياتنا، يجعل الكلام مجرد أصوات فارغة، وتتحول اللغة إلى إجراء جاف في المعاملات والعلاقات الإنسانية، وتصبح الأفكار جامدةً لا حياةَ فيها سوى التكرار والاجترار. بينما الخيال الشعري يضفي على كل شيء مسحةً من الجمال، حتى لو كانت صخرةً مهملةً أو غصناً مكسوراً ساقطاً من شجرة يابسة.
نحتاج في 2026 أن تتحول المدن إلى قصائد مفتوحة، تضجُّ بالمعنى الإنساني، وأن تسري في عروقها الروح الشاعرة، حيث يبجّل الناس رقصة الضوء في الزوايا، ويتحاورون بكلمات حية نابضة، ويصبح كل حوار مطلعاً لأغنية، ويصبحُ الصمت أيضاً فسحة للتخلّص من كلمات اليأس ونفضها بعيداً عن الدفاتر والقلوب.
نريد في كل بيت وكل شارع أن يحضر الشعر كي ترتقي به الأرواح إلى مبتغاها. الأم التي تنادي أبناءها بعبارات شعرية، تربيهم على العيش في جنة من السحر والروعة. الأب الذي يجادل ابنه في موضوع ما بلغة شعرية، إنما يقوده إلى تذوق أسرار اللغة وعلاقتها في تكوين المعنى، الذي يؤمن به البشر. هكذا عندما ترتقي اللغة في المدارس والشاشات والساحات والبيوت، تصبحُ الدنيا كلها ابتسامة فرح عظيم.
يرى الفيلسوف الفرنسي الشهير جاك لاكان أن اللاوعي «مبني مثل اللغة» وأن الإنسان مرتبط ببنية الخطاب والمعنى، وبالتالي فإن ترقية اللغة تغيّر وضعية النفس البشرية. أما جوليا كرستيفا فقد ربطت بين اللغة، النفس، الشعر، والهوية الإنسانية، وهي من مفكرات مرحلة ما بعد البنيوية القلائل اللواتي جعلْنَ الشاعرية مسألة وجودية لا جمالية فقط. وفي أطروحاتها ربطت بين الأزمة النفسية، خصوصاً الكآبة، وبين انهيار المعنى داخل اللغة، ورأت أن الفن والكتابة الشعرية يفتحان منفذاً للنجاة واستعادة الحساسية والمعنى. فهل لنا أن نتحدث شعراً في عامنا الجديد؟


